محمدحسن القبيسي العاملي

375

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

العالمين كالطبيب فصلاح المرضى فيما يعلمه الطبيب ويدبره لا فيما يشتهيه المريض ويقترحه الا فسلموا لله امره تكونوا من الفائزين ، فقيل يا بن رسول اللّه : فلم امره بالقبلة الأولى ؟ فقال : لما قال اللّه عزّ وجل : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها - وهي بيت المقدس - الا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه الا لنعلم ذلك منه « 1 » وجودا بعد ان علمناه سيوجد وذلك ان هوى أهل مكة كان في الكعبة فأراد اللّه ان يبين متبع محمد من مخالفيه باتباع القبلة التي كرهها ومحمد يأمر بها ، ولما كان أهل المدينة في بيت المقدس امرهم بمخالفتها والتوجه إلى الكعبة ليبين من يوافق محمدا فيما يكرهه فهو مصدقه وموافقه ، ثم قال : وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى اللّه ، وان كان ما كان التوجه إلى بيت المقدس في ذلك الوقت كبيرة الا على من يهدي اللّه ، فعرف ان اللّه يتعبد بخلاف ما يريده المرء ليبتلي طاعته في مخالفة هواه ، انتهى . أقول : فقد ظهر من نص القرآن ان النسخ صحيح وواقع وليس من التغيير في الرأي وحدوث العلم بعد الجهل ، ولا يكون جزافا بل لا بد وان يكون لأجل مصلحة في الجعل الأولى وابرازه بصورة الاستمرار ثم ازالته عن عالم الاثبات . ومنه قوله تعالى « 2 » : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ . فقد روى محمد بن يعقوب عن محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان واحمد ابن إدريس عن محمد بن عبد الجبار جميعا عن صفوان بن يحيى

--> ( 1 ) هذا التعبير دليل على ما نقول من أن العلم الفعلي عبارة عن حضور المعلوم بوجوده الخارجي لدى العالم ، فراجع رسالتنا في البداء . ( 2 ) البقرة الآية 187 .